محمد بن جرير الطبري
780
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فإن قال قائل : فإن كان الامر على ما وصفت من أن معناه : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب أن يا بني ، فما بال أن محذوفة من الكلام ؟ قيل : لان الوصية قول فحملت على معناها ، وذلك أن ذلك لو جاء بلفظ القول لم تحسن معه أن ، وإنما كان يقال : وقال إبراهيم لبنيه ويعقوب : يا بني ، فلما كانت الوصية قولا حملت على معناها دون قولها ، فحذفت أن التي تحسن معها ، كما قال تعالى ذكره : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين وكما قال الشاعر : إني سأبدي لك فيما أبدي * لي شجنان شجن بنجد وشجن لي ببلاد السند فحذفت أن إذ كان الابداء باللسان في المعنى قولا ، فحمله على معناه دون لفظه . وقد قال بعض أهل العربية : إنما حذفت أن من قوله : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب باكتفاء النداء ، يعني بالنداء قوله : يا بني ، وزعم أن علته في ذلك أن من شأن العرب الاكتفاء بالأدوات عن أن كقولهم : ناديت هل قمت ؟ وناديت أين زيد ؟ قال : وربما أدخلوها مع الأدوات فقالوا : ناديت أن هل قمت ؟ وقد قرأ عهد إليهم عهدا بعد عهد ، وأوصى وصية بعد وصية . القول في تأويل قوله تعالى : يا بني إن الله اصطفى لكم الدين . يعني تعالى ذكره بقوله : إن الله اصطفى لكم الدين إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه واجتباه لكم . وإنما أدخل الألف واللام في الدين ، لان الذين خوطبوا من ولدهما وبنيهما بذلك كانوا قد عرفوه بوصيتهما إياهم به وعهدهما إليهم فيه ، ثم قالا لهم بعد أن عرفاهموه : إن الله اصطفى لكم هذا الدين الذي قد عهد إليكم فيه ، فاتقوا الله أن تموتوا إلا وأنتم عليه . القول في تأويل قوله تعالى : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون . إن قال لنا قائل : أو إلى بني آدم الموت والحياة فينهى أحدهم أن يموت إلا على حالة